تربيتناالحديثة

الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منهاج مادة التربية الإسلامية

ملاحظات نقدية جوهرية

image

عبد العزيز تكني

أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي

الخميسات

لقد كثر الحديث- قديما وحديثا- وسال الكثير من المداد في الأوساط التعليمية التربوية الأكاديمية عامة،ولدى الأساتذة الباحثين والمتخصصين في الدرس الإسلامي خاصة،حول مسألة إصلاح منهاج مادة التربية الإسلامية ومراجعة برامجها وما أثاره من إشكالات عدة، وأفهام متناقضة حول طبيعة محتوياته (جزئيات حقائق مفاهيم أحداث…) وحول مستوياته (أفقيا وعموديا)فأصبح كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وتضاربت حول إصلاحه ومراجعته الآراء والمواقف وتباينت، وزلت فيه العديد من الأقلام والأقدام وتزلزلت، اجثث من فوق الأرض ماله من قرار، لما اعترى مضمونه ومحتواه من النقص والخلل وما تربص فيه منأوحال الاستفراد بالقرار والاستعجالية والضبابية والبرجماتية المادية ووهن التبعية، والعلل المنهاجية المقاصدية ما ظهر منها وما بطن..وأصبحنا أمام برنامج جديد لا زال في عالم الغيب، لا علم لنا بحاله فكيف بمقاله.

لذا ستروم هذه السطور إنشاء الله تعالى الإسهام في إثراء النقاش حول هذا الموضوع الشائك– إصلاح منهاج مادة التربية الإسلامية- في ملاحظات نقدية جوهرية من أجل رؤية استراتيجية للإصلاح،علها تصيب ظمأ الأفكار والهم المشترك حول هذا الموضوع الحساس والذي حازت فيه منابر إعلامية إلكترونية وورقية صادقة وأقلام حرة، وكذا الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية قدم السبق والصدق اهتماما وتهمما، حيث كتبت حوله مقالات وبحوث، كما عقدت لأجله ندوات وطنية، ولقاءات جهوية لتسليط الضوء عليه وبسط النقاش في حيثياته وتقديم توصيات بخصوصه وحسبي أنها إشارات تفهم اللبيب،وتسهم بقدر الإمكان في إثراء النقاش الجاد والمسؤول بعيدا كل البعد عن السفسطة والجدل العقيم، والكلام اللاغط الفارغ الذي لا معنى له ولا أثر ولا فائدة  ويكفي من القلادة ما أحاط بالجيد.

الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منهاج مادة التربية الإسلامية : ملاحظات نقدية جوهرية

إن إصلاح مناهج التربية الإسلامية وبرامجها – منهجا ومضمونا، كما وكيفا – أمر محمود ومطلوب ومرغوب فيه ومرحب به، وهذا يدل على حيوية المنظومة التربوية والتعليمية وحركيتها وسعيها الدؤوب إلى الاستجابة للحاجيات الروحية والمجتمعية والمعيشية للمتعلمين، إلا أنه بالمقابل يلاحظ ما تعانيه المنظومة من أوضاع كارثية واختلال كبير وتدني خطير يعلمه القاصي والداني، لدى نجد أنفسنا أثناء الحديث عن إصلاح مناهج التربية الإسلامية ملزمين ومجبرين على استقراء الإصلاح “الجديد”؟؟ للتعليم بالمغرب، واستنطاق فصوله ومرتكزاته وفق الرؤية الاستراتيجية للإصلاح التي وضعتها الجهة الوصية وكلفت بتدبير أولوياته، ومن ثم صار ارتباط إصلاح مناهج التربية الإسلامية بالإصلاح الكلي للمنظومة كالرأس من الجسد، وبالتالي أصبح الفصل والتفرقة بينهما أثناء الحديث من الصعب بمكان، الشئ الذي أثار العديد من الإشكالات وسال الكثير من المداد، نظرا للتباين الحاصل بين واقع النظام التربوي المغربي وواقع المادة الموضوعي، ومن أبرز الملاحظات النقدية الجوهرية التي يمكن ذكرها بخصوص الإطار العام لإصلاح ومراجعة منهاج مادة التربية الإسلامية:

أن تتم الدعوة إلى تجديد مناهج وبرامج مادة دون مادة بدون مسوغ تربوي، أو مبرر منطقي بل بقرار سياسي استفرادي من صانعي القرار بدون أي إشراك أو تشاور أو على الأقل إشعار يحفظ ماء وجه القيمين الحقيقيين على الشأن التربوي والمهني لهذه المادة تنظيرا وتأطيرا وتوجيها أمر يثير من الاستغراب الشيء الكثير؟؟

رغم الجهود التي بذلتها اللجنة العلمية وظروف الاشتغال، في تغييب تام للمقاربة التشاركية، وحضور مشهود للمقاربة البرجماتية النفعية والميكرو اقتصادية..فهل يعقل أن يتم تأليف وإصدار الكتاب المدرسي الجديد الخاص بالمادة دون الوثائق التربوية المصاحبة له (الأطر المرجعية، والتوجيهات التربوية الخاص بالمادة، والمذكرة المنظمة للمراقبة المستمرة والامتحانات الإشهادية..)، وبخصوص تفعيل مذكرة 16/773 الصادرة بتاريخ 07 شتنبر 2016 القاضية بتأطير أساتذة المادة جهويا وإقليميا فحدث ولا حرج؟؟أم كيف يرجى تأطير جيد وراء غياب تكوين مستمر للسادة المفتشين والمكونين بمراكز مهن التربية والتكوين؟

إن الحرص الدائم على استحضار ترسانة من المفردات من قبيل التسامح والاعتدال ومحاربة التطرف والكراهية والتزمت كلما ذكرت التربية الإسلامية والدين الإسلامي، وكأنما التربية الإسلامية هي مصدر هذه الآفات التي أريد لها أن تستوطن مجتمعاتنا.

إن من الملاحظ في القاموس التداولي التربوي والأكاديمي كثرة الحديث عن الدين ومفهومه، وكما هو معلوم أن كلمة دين “قد تحيل على المرجعية العلمانية التي تمتح من المعنى الكنسي للدين (religion) في نشأته التاريخية وامتداداته الفكرية وفصله بين الذي لله والذي لقيصر، وهو ما يعني تعويما لدلالة الدين في مجتمعنا المسلم”، والمتأمل بالعين المقاصدية يجد أن الأمر فيه إقصاء لمعنى الدين في الشريعة الإسلامية، ومن تم فتح الباب لكل دين وحتى اللادين بدعوى التعايش والتسامح والانفتاح وحرية المعتقد.

أي إصلاح ينتظر لمنهاج مادة التربية الإسلامية من مسؤولين لا قرار لهم فيه ولا حظ ولا نصيب منه إلا الاسم، فلا يجدون في أنفسهم مما قضت وحكمت به الجهات الدولية المانحة والتعليمات الرسمية حرجا ويسلموا تسليما، أم كيف يعقل أن تتم الدعوة لعقد لقاء وطني– لا معنى له- مع النخبة المعنية بالمنهاج( الهيئة التربوية) وبإصلاحه وتنزيل مضامينه تنزيلا سليما تأطيرا وتوجيها…وأن تكون آخر من يعلم، حيث كان الأولى والأحرى، والذي ينبغي أن يكون هو إبداء الرأي قبل أن يرخص لدور النشر بطبع الكتاب المدرسي لتفادي الأخطاء المتوقعة كما هو متوقع وملموس أم المسألة ستخضع لمختبر التجريب كما هو معلوم ومعروف والخاسر الأول هو الشعب المستضعف والتلميذ المغربي المسكين الذي لا حول ولا قوة له، وأن يؤدي الثمن دون حسيب ولا رقيب.

بما أن السمة الطاغية على الإطار النظري لمنهاج مادة التربية الإسلامية الجديد، هي الغموض والارتجالية والاستعجالية وتنازع التصورات والقرارات، وما يزيد الطين بلة هو عندما نجد اللجنة العلمية تتقدم بمبررات غير مقنعة للهيئة التربوية المعنية المباشرة بإصلاح مناهج مادة التربية الإسلامية، وبدون مسوغ علمي وبيداغوجي.

كيف لوزارة لم تستطيع أن تصلح أحوال من تسميهم بالقيمين الدينين والرفع من مستواهم تأطيرا وترقية اجتماعية، أن تتجرأ على مجال التربية والتعليم ببث تعليماتها ورسم خطتها وتنظر إلى المؤطر التربوي لمادة التربية الإسلامية أنه مجرد أداة تنفيذية لا أقل ولا أكثر.

الإصلاح الجديد – والقديم- لمنهاج مادة التربية الإسلامية يفتقد لآليات التقويم والمتابعة، لذا يستحسن أن يخضع الكتاب المدرسي لتتبع وتقييم بناء على شبكة تتضمن معايير واضحة ومؤشرات وروائز من شأنها أن تساعد على تقويم المنهاج الدراسي والبرنامج التعليمي والكتاب المدرسي والدفع به قدما للرقي بهذه المادة صمام أمان الأمن الروحي لدى المتعلم المغربي في بلدنا الحبيب وتحصينه من كل أشكال العنف والغلو والتطرف الدخيل على قيمنا وهويتنا وأصالتنا في منظومتنا التربوية المغربية.

خلاصة واستنتاجات:

وفي الأخير وجب الإشارة إلى خلاصات واستنتاجات جعلتها في شكل اقتراحات ختما لهذه السطور، من أجل مراجعة بيداغوجية وإصلاح يرتكز في أساسه وجوهره على الدقة والإتقان و يسعى في مقاصده الرفع من مستوى وجودة مادة التربية الإسلامية خصوصا والمنظومة التربوية عموما على مستوى الرؤية والاستراتيجية:

1أن يجعل إصلاح منهاج مادة التربية الإسلامية القرآن الكريم الأرضية الأساس التي يبنى عليها منهاج ومحتوى الكتاب المدرسي لمادة التربية الإسلامية برؤية منهاجية مقاصدية في ظل التحديات المعاصرة.

2– أن يهتم الإصلاح بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبالصحابة الكرام والعلماء الربانيين والأولياء المستقيمين من خلال اعتماد مقاربة تربوية مقاصدية منهاجية في جميع مراحل التعلم دون استثناء.

3-من أجل إصلاح يدعم المادة بوسائل ديداكتيكية تربوية حديثة كشأن المواد الأخرى، والرفع من معاملها، وفتح باب التبريز أمام مدرسيها الشيء الذي من شأنه أن يساعد على تلقين المادة بمستوى يليق بمقامها ويحقق مقاصدها.

4– إصلاح يحافظ على هوية الأمة المغربية وخصوصيتها ومرجعيتها، ويسعى لتحقيق مقاصد الشرع، بلا غلو ولا تطرف ولا عنف…، بل برفق ورحمة وتوسط واعتدال…

5– إصلاح يحرر الأمة من الذهنية المنقادة التابعة، ولا يرضخ لمساومات وإملاءات خارجية وأخرى داخلية بل فيه إرضاء لرب الأرض والسماوات.

6- لتظهر ثمرات الإصلاح الحقيقي لمنهاج هذه المادة، وتتعدى أثاره على مردودية هذه المنظومة التربوية وجب إخضاعه لمقاربة تشاركية بيداغوجية تربوية تعليمية تعلمية بدلا من المقاربة الاستعجالية البرجماتية ذات القرار السياسي المتفرد.

7ضرورة وضوح العلاقة بين المحتوى وبين أهداف المنهاج بمفهومه الحديث من جهة، ومسايرة المحتوى للمستجدات العلمية، خاصة من حيث الفهم وطريقة العرض من جهة أخرى، في ظل الإصلاح الجديد.

8لا بد في إصلاح منهاج مادة من عيار مادة التربية الإسلامية من ملاءمته لمستوى المتعلمين من حيث المعلومات والمفاهيم والمصطلحات ومن حيث التنظيم، والتنوع والوضوح في الوسائل التعليمية وطرق التدريس.

إن أي إصلاح وأية مراجعة لمنهاج مادة التربية الإسلامية، تغيب فيه الرؤية الواضحة، والخطة الاستراتيجية، والتخطيط والبرمجة، والهوية والمرجعية هو تخبط وجنون…

الهوامش

أنظر مقال للأستاذة فاطمة أباش: “مراجعة المنهاج الدراسي: توضيحات وتحفظاتالذي تم نشره بموقع الجمعية المغربية لمدرسي مادة التربية الإسلامية وكذا كتاب الإصلاح الجديدللتعليم بالمغرب للدكتور مصطفى الشكري و الندوة الوطنية التي عقدتها الجمعية المغربية لمدرسي مادة التربية الإسلامية بمدينة القنيطرة تحت عنوان منهاج 1-مادة التربية الإسلامية في منظومة التربية والتكوينمقاربات ومداخل للتطويربتاريخ 22 رجب 1437/ 30 أبريل 2016

-“الإصلاح الجديدللتعليم بالمغرب للدكتور مصطفى الشكري ص 204

نفس المرجع ص 205

 اللقاء الوطني الذي تم عقده مع السيدات والسادة مفتشي مادة التربية الإسلامية بالمركز الوطني للتكوينات والملتقيات يوم الخميس 6 ذي الحجة 1437هـ / 8 شتنبر 2016 بحضور الكاتب العام للوزارة ومدير المناهج.وممثل وزارة الأوقاف

 

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons