تربيتنا والواقع

علاقة التواصل بين الأستاذ والتلميذ وسائل الارتقاء والتفعيل 2/2

كيف نعيد الدفء والحياة لعلاقة الأستاذ بالتلميذ؟

image

د/حفيظ غياط

إن الحديث عن تدهور العلاقة بين الأستاذ والتلميذ، والبحث عن الحلول المناسبة، وسبل الارتقاء بها، وكيفية إرجاع الدفء إليها لتبلغ درجة الإحسان، وتحقق الجودة والإتقان، وتحرر هذا الإنسان المعاصر من جملة الأزمات والأمراض التي تقيد حركته في الحياة، وتثبط عزيمته عن الفعل المبدع والعطاء المستمر، كل ذلك رهين بشروط ضرورية يلزم توفرها أولاً لتحقيق المطلوب .

ثم إن الحديث عن إصلاح هذه العلاقة بين الطرفين هو عين الحديث عن إصلاح منظومة التربية والتعليم في بلداننا الإسلامية، ومن ثم لا تكون معالجتنا لهذه القضية سليمة ولا واقعية إلا باستحضار كل متعلقاتها المؤثرة فيها من قريب أو بعيد، لأن استصحاب السياق ومراعاة لوازمه مما يعيننا كثيرا على تصور القضية في أبعادها الشمولية. وبدون ذلك تبقى منظومتنا التربوية قاصرة عاجزة كالمريض مرض الموت، تنتظر أجلها لتسلم الروح إلى بارئها، ولذلك لم يكن من سبيل للارتقاء بتعليمنا إلا بتجاوز مسببات فشله وترديه ووهنه، وعلى رأس تلك الأولويات العاجلة: إصلاح علاقة الأستاذ بالتلميذ، إذ هما قطبا هذه المنظومة، وأساس نجاحها أو فشلها. ثم يأتي بعد ذلك الحديث عن الأمور الأخرى…التي وإن وجدت في غياب الإنسان كانت غير ذات جدوى.

فكيف إذن نصلح هذه العلاقة لتكون راشدة؟ وكيف نحيي هذه الصلة، ونصل هذه الرحم التي قطعت بفعل التحريض المتعدد الجنسيات، وغياب التناصح الخالص الذي يقصد الإصلاح والتجديد والتطوير، وغير ذلك من العوامل التي سبقت الإشارة إليها؟ كيف نرتقي بمنظومتنا التربوية من خلال العناية أولاً بالإنسان، صانع النجاح أو سبب التردي والفساد؟

يقول عمر عبيد حسنة في سياق حديثه عن بناء النظام التعليمي1: ” فالعملية التربوية والتعليمية لها خصوصيتها في كون أداتها الإنسان، وموضوعها الإنسان في الوقت ذاته، لذلك أي خطأ فيها يشكل ألغاما اجتماعية يمكن أن تؤدي إلى نتائج خطيرة ومدمرة”2

إن الملف التعليمي التربوي يعد بلا شك من الملفات الاستراتيجية الكبرى التي يجب أن تبقى مفتوحة على الدوام، وتحتاج إلى العمل المتواصل، والتخطيط الحكيم لتحقق القدرة على التكيف مع المستجدات، والتناغم معها دون التنازل عن المبادئ أو إلغاء الذات، ويعد القائمون على حمايتها جنودا شجعانا مرابطون لحماية هذا الثغر، حيث حراسة العقول والنفوس من الاختراق والاغتيال، ومن ثم وجب على هؤلاء الجنود اليقظة الدائمة، كما استحقوا بالمقابل الدعم والتشجيع والمكافأة. لأن مهمتهم شاقة، وتحتاج إلى الصبر الجميل والنفس الطويل، والتأني وعدم استعجال النتائج، لأن ميدان التربية والتعليم ” من الصناعات الثقيلة البطيئة…، التي قد لا تتحصل نتائجها في جيل واحد، حيث لابد أن تعطى الخطط التعليمية الزمن الكافي لتؤدي إلى عملية التحويل، ولابد أيضا أن تدرك طبيعتها النوعية التي لا ينفع معها الاستعجال، لأن الاستعجال قد يؤدي إلى البتر والارتكاس، بدل أن يؤدي إلى النمو والترقي”3.

فما السبيل إلى الارتقاء بهذه العلاقة إلى الحد الذي يجعل ثمارها جنية وآثارها مُرضية؟ وما مسؤولية كل طرف من الأطراف المتدخلة – في الفعل التربوي التعليمي – في الإصلاح والتنمية والتطوير؟ ذلك ما نود معالجته في هذا الجزء الثاني من هذا المقال .

يعتبر إصلاح الرؤية المؤطرة للمناهج التعليمية، هو الإطار الأساس الذي تتم فيه ترقية العلاقة بين الأستاذ والتلميذ، وفي غياب حصول ذلك، يُعوَّل أولا وأخيرا على الأستاذ – باعتباره المسؤول الأكبر- في سد ثغرات المنهاج وتكميل نقائصه، وبالتالي تكليفه فوق ما يطيق، وذلك بلا شك أمر مرفوض .

ولأجل ذلك فمهمة الإصلاح أو التكميل مهمة منوطة بكل مكونات العملية التربوية بدرجات متفاوتة، يلعب فيها الجميع دورا تكامليا في البناء والتشييد. هذا البناء الذي لا يبلغ تمامه وكماله إلا بتحمل الجميع للمسؤولية من باب الأمانة، وتخليق الممارسة التعليمية، إذ لا خير يرجى من تعليم بلا أخلاق ولا قيم تربوية تمثل القوة الدافعة، والروح التي تضمن الحياة والبقاء والاستمرار، فكل مظاهر التردي الأخلاقي في مؤسساتنا التربوية مرده إلى الفصل بين التربية والتعليم بالدرجة الأولى .

فكيف نساهم جميعا، أفرادا ومؤسسات في الارتقاء بالعلاقة بين الأستاذ والتلميذ؟ ومن خلالها نساهم في إصلاح منظومتنا التربوية، فنحقق لمجتمعنا التقدم والرقي، وننعم بمخرجات طيبة مباركة، تكون حصاد مجهودات وتضحيات صادقة خالصة يسعد بخيرها الجميع؟

أولا : دور الأستاذ المربي

يعتبر الأستاذ المربي محور العملية التعليمية ونقطة ارتكازها، وتعد رسالته التربوية بالغة الأهمية والخطورة في ذات الوقت، فهو فاعل مؤثر، ووسيلة للبناء والإصلاح أو الهدم والإفساد، ومن ثم وجب أن يخضع اختياره لمعايير صارمة، تقوم على الكفاءة العلمية، والأخلاق العالية، أو القوة والأمانة بتعبير القرآن الكريم، كما في وصف إحدى ابنتي شعيب لموسى عليهما السلام: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) [القصص/26] . ففي هذه الآية الكريمة إشارة لطيفة تحدد أوصاف الأجير ” أي: إن موسى أولى من استؤجر، فإنه جمع القوة والأمانة، وخير أجير استؤجر، من جمعهما، [أي: القوة والقدرة على ما استؤجر عليه]، والأمانة فيه بعدم الخيانة، وهذان الوصفان، ينبغي اعتبارهما في كل من يتولى للإنسان عملا بإجارة أو غيرها. فإن الخلل لا يكون إلا بفقدهما أو فقد إحداهما، وأما باجتماعهما، فإن العمل يتم ويكمل. وإنما قالت ذلك لأنها شاهدت من قوة موسى عند السقي لهما ونشاطه، ما عرفت به قوته، وشاهدت من أمانته وديانته، وأنه رحمهما في حالة لا يرجى نفعهما، وإنما قصده وجه اللّه تعالى”4.

وانطلاقا من هذا البيان القرآني فالأستاذ أجير له حقوق وعليه واجبات، مستحق لحقوقه كاملة غير منقوصة، لكنه مطالب بأداء الواجب على ما استؤجر عليه.

من هنا وجب أن يُراعى في الانتقاء لهذه المهمة من جمع الوصفين معا، لأنه أجدر أن يوفي بالعهد، ويقوم بالمسؤولية كاملة، دون أن يُبخس حقه أو تُهان كرامته.

وإن هذه الأوصاف التي ذكرت في الآية هي شروط المعلم الناجح والمربي القدوة، وهنا يطرح السؤال: هل تحترم هذه المواصفات في الخريجين المرشحين لأصعب مهمة وأشدها تعقيدا، مهمة الأنبياء والمرسلين؟‼

وفي هذا السياق بكل ملابساته الحافة به، نتبين الدور الأساسي للأستاذ في ترقية علاقته بالتلميذ والوصول بها إلى أرقى المراتب، بشرط أن تتوفر فيه تلك الأوصاف السالفة، وأن ينال الحقوق التي يستحقها كاملة. فدوره بالغ الأهمية في المبادرة الإيجابية، والتحلي بالحكمة في الحوار والتواصل مع تلاميذه، وقدرته على الجمع بين المظهر المهني المتمثل في كفاءته في التعليم، والمظهر الإنساني المتمثل في كونه أبا مربيا، وقدوة صالحة تنثر الأخلاق سلوكا حيا ملموسا يترك الأثر البالغ في نفوس المتعلمين ووجدانهم، ويؤهلهم لممارسة دورهم في الحياة بجدارة واقتدار.

ولأجل تحقيق هذا المبتغى كانت حاجتنا ماسة إلى ممارسة صفية تربوية تتسم بالحكمة والوسط والاعتدال بعيدا عن الإفراط أو التفريط، و بعيدا عن العنف والقسوة أو التساهل والتسيب .

يقول عمر عبيد حسنة : ” ولما كانت العملية التعليمية بهذه الأهمية والخطورة في الآثار المترتبة عليها، كان لابد أن يتقدم لها ويضطلع بها أهل الاختصاص والاحتساب، لأنها لا تقابل بأجر دنيوي مهما عظم … لذلك تتطلب النماذج الممتازة من أصحاب النفوس الراقية، والهمم العالية والإيثار الكبير وانتظار لما عند الله … تتطلب خيرة الطاقات، وخلاصة الكفاءات، وافضل الإمكانيات، كما تتطلب أقدارا اجتماعية فائقة من الاحترام للمعلم، ورعاية كاملة لأحواله، وتأمينا لظروفه، ليتوفر على الأداء بكل طاقاته، لأنه هو الذي يشكل المحور الأساس للعملية التعليمية، فهو يعلم ويربي ويشكل النموذج المحتذى والمثير للاقتداء”5، ومن هنا يصبح من الصعب جدا أن ننتظر نتائج تسر، وعطاءات فعالة رائدة في ظل أوضاع مضطربة اجتماعيا ونفسيا تعيشها الأسرة التعليمية، يكون من آثارها الطبيعية هذا التوتر المتنامي في العلاقة بين المدرس والمتعلم، نظرا لتدهور الحالة النفسية والظروف الملابسة للعملية التربوية برمتها، ” لذلك فإن أي اهتراء لرمز التعليم، أو الحط من قدره، أو سوءٍ لمعايير اختياره، أو إهدار لقيمته الاجتماعية بين شرائح المجتمع جميعها، أو احتياج مادي يدفعه للتحرك خارج الهم التعليمي، أو تثير فيه القلق على مستقبله، دون أن ندرك مخاطر ذلك، فإن الأمر يعني الدمار الشامل لأجيالنا والتحطيم لمستقبلنا”6.

وليتذكر الأستاذ بالمقابل أنه حامل رسالة قبل أن يكون موظفا أجيرا، فليستصحب هذه الأبعاد التربوية الإنسانية في أثناء أدائه لمهمته، وليُنزِل التلميذَ – على حالته التي هو عليها – منزلة ابنه وفلذة كبده، وليغلب هذا الإحساس قدر الإمكان، وليتفهم أحواله المختلفة، متذكرا أن التلميذ كائن بشري قد تشكل في ظروف وأجواء معينة تؤثر في عقله وعاطفته، وتوجه سلوكاته المختلفة، فيقدم له المساعدة والعون من خلال الاطمئنان على ظروفه، والمساهمة في حل مشكلاته، وليعامله بالاحترام إكراما لإنسانيته لينقذه مما هو فيه، لا يسخر منه ولا يحتقره، وليجرّب معه النصيحة على انفراد، ليحرص على العدل بين تلاميذه، فيكن مشجعا لهم ومحفزا، وليجتهد طاقته في إفهامهم وتذليل الصعاب لهم، مع مراعاة الفروق الفردية بينهم، محتسبا في ذلك الأجر على الله، وليتأكد بأن الثمرة ستكون طيبة ولو بعد حين. فكثيرا ما كانت أخلاق أساتذتنا وحسن معاملتهم لنا سببا في كثير من التغيرات التي حصلت في شخصيتنا وتفكيرنا، ومن هنا كانت المسؤولية جسيمة بالنسبة للمربي الذي تولى هذه الأمانة العظيمة، فبقدر إحسانه وأمانته يكون مقامه رفيعا، وإلا كان بالمقابل وضيعا بقدر تفريطه وخيانته، وكلا النموذجين موجود في حياتنا التربوية التعليمية. وليتذكر دائما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)7

فليكن المدرس نعم القدوة في العمل والخُلُق، يجد التلميذ له خيرَ طالب، يبادله الإحسان بالإحسان، والاحترام بمثله وأكثر، فالأستاذ هو منطلق الفعل التربوي، فيجب عليه أن يراقب نفسه بنفسه، ويتذكر سؤال ربه، قبل سؤال المسؤولين أو رقابتهم، ويربأ بنفسه عن التفاهات، وعن كل سلوك مُهين لقيمته ومكانته، حتى لا يتسبب لنفسه في الإهانة وفقدان الاحترام، وليعلم بأن عين التلميذ عليه، وهو سريع التأثر وسهل التوجيه، وكثير الملاحظة، فليحذر أن تخالف أقوالُه أفعالَه، وليجتهد في أداء مهمته في حدود الطاقة، مستعينا في ذلك كله بالله رب العالمين .

يقول الدكتور عبد الكريم عكيوي:”جودة التعليم تتوقف على أخلاق المعلم وصفاته، وهذه القاعدة راسخة واضحة في منهج النبي صلى الله عليه وسلم. فإن الوصول إلى الجودة في التعليم لابد فيه من أخلاق وآداب يلتزمها المعلم . وأول ما يجب أن يتصف به المعلم صفة الانسجام بين سلوكه وعلمه. وأصل هذه القاعدة أن التعليم التلقائي عن طريق القدوة التي يجدها المتعلم في المعلم أحسن من التلقين للأفكار مجردة عن التطبيق العملي والمشاهدة والمعاينة للعمل بهذه الأفكار ورؤيتها في السلوك، فلا معنى أن يتعلم المتعلم أفكارا ويستوعب علوما، ثم يكون في سلوكه منحرفا لا يراعي الحقوق ولا يحترم الحرمات “8. ومن هنا كان النبي عليه الصلاة والسلام يتعوذ من علم لا ينفع، ومن قلب لا يتأثر بما يسمع من العلم، فيقول : (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ…)9

وقد اشتهر في هذا المعنى قول القائل10 :

يا أيها الرجل الْمُعَلِّمُ غَيْــــــــرَهُ *** هَلَّا لِنَفْسِك كَانَ ذَا التَّعْلِيــمُ
ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا *** فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ
فَهُنَاكَ تُعْذَرُ إنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى *** بِالْقَوْلِ مِنْك وَيحصُل التسليمُ
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ *** عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْـت عَظِيـمُ

ثانيا: دور التلميذ والأسرة

يعتبر التلميذ المتعلم بدوره مسؤولاً في الدرجة الثانية على تحسين التواصل مع الأستاذ لإنجاح هذه العلاقة وتمتينها، والأسرة مسؤولة أيضا معه في نفس الدرجة، تتابع مستوى تواصل ابنها مع أساتذته، وتحثه على حفظ حقوقهم عليه بالبر والإحسان والاعتراف بالجميل. فدور التلميذ كبير في إصلاح العلاقة التواصلية مع مدرسه، عندما يتحمل مسؤوليته، رغم الظروف الصعبة القاسية التي تلقي بظلالها على حياته كلها، كالتفكك الأسري، والفساد الأخلاقي بكل أشكاله، والذي يُفرض عليه بقوة خلال يومه وليله، لكن لابد من إرادة ومقاومة وتحد للصعاب، والتأسي بأحوال الناجحين ممن مضى، أو حتى من المعاصرين الذين قهروا الظروف وحققوا النجاح.

وتقدم لطيفة أسير توجيهات تربوية للتلميذ مذكرة له بفضل الأدب وسوء عاقبة خلافه: “اعْلَم: أن المدرس هو أبٌ لك قبل أن يكون أستاذًا، كلما ضاقت نفسك ذرعًا بأوامره وانفرط عقد الصبر من شدة عقابه، فلا تتطاول عليه أو تعامله بالمثل؛ فلست له نِدًّا؛ لا في سنك، ولا في فكرك، ولا في مستواك العلمي، فكن عاقلاً لا متهوِّرًا، وتذكَّر: أنك بعد فورة الغضب، وتنفيس كربك بالسب والشتم والضرب، لن تنال خيرًا، فبين مُساءَلة إدارية وأخرى قانونية ستفقد الكثير من كرامتك، وستجد نفسك تقف مطأطأَ الرأس ترجو الصفح والعفو، بعد أن كنت مستأسدًا لا تخاف بخسًا ولا رهقًا .
بُنيَّ التلميذ، إن شئت أن تفرض ذاتك، فخيرُ سبيل هو علمُك وأدبُك، أما ما تقوم به … بلسانك تارةً، وبجسدك تارةً أخرى، لتثير الانتباه وتُثبِتَ لزملائك أنك قادر على تكدير أجواء القسم والتلاعب بأعصاب الأستاذ، فتلك مغامرةٌ حُسِمَ قبلَك نتائجُها، وتأسَّف على خوض غمارها من هم أشد منك بطشًا، فكن عاقلاً لا مُتهورًا، مفاخرًا بأدبك لا بقلة أدبك. وانظر إلى حرص السلف الصالح على تعلم الأدب والتنويه به قبل تعلُّم العلم : فها هو الإمام مالك -رضي الله عنه – يقول لفتًى من قريش: “يا بن أخي، تعلَّم الأدبَ قبل أن تتعلم العلمَ” 11.

وليتذكر التلميذ أن الغرض الذي قصد المدرسة لأجله هو طلب العلم، فليلزم آدابه، وليتخلق بأخلاق طالبيه، ليغنم الخير ويحرز النجاح . ولتكن الأسرة خير سند لأبنائها على هذا القصد العظيم تحثهم على الخلق الكريم، والمنافسة في تقدير الأساتذة واحترامهم، وتشجعهم على نيل العلم وتحقيق النجاح، وتنهاهم عن سوء الأخلاق والغش والتدليس. فهذه خصال حميدة ما أحوج طلابنا اليوم إلى تمثلها والالتزام بها لتحصل البركة المرجوة من العلم، وتتحقق التنمية في كل أبعادها.

ثالثا: دور المؤسسات التعليمية

تعد المؤسسة التربوية بكل مكوناتها: (الإدارة وهيئة التدريس وجمعية آباء وأولياء التلاميذ، وهيئة التوجيه التربوي…) قادرة – بحكم همها التربوي- على تنشيط الحياة المدرسية، وخلق أجواء ممتعة تجذب التلاميذ وتدمجهم في تحقيق أهدافها، ومن المقترحات التي يمكن للمؤسسة التعليمية أن تقوم بها على سبيل المثال:

أ) تفعيل خلايا الإنصات بالمؤسسات التعليمية، والتنسيق مع مستشارين اجتماعيين و نفسيين لمساعدة التلاميذ على تجاوز الصعوبات التي تواجههم في الحياة المدرسية والحياة العامة بالتعاون مع الأساتذة لقربهم من التلاميذ، وقدرتهم على معرفة سلوكاتهم وطبيعة مشاكلهم12، ويمكن لهذه الخلايا أن تحقق الكثير من النتائج الطيبة، وأن تنفس من حدة الاحتقان المولد لكل أشكال العنف – اللفظي والبدني- من خلال تدارك المشاكل في بداياتها الأولى قبل أن يتفاقم الأمر ويخرج عن السيطرة، لكن بشرط أن تتوفر الطاقات المؤهلة للقيام بهذا الدور الإصلاحي الكبير .

ب) الإذاعة المدرسية: وهي من الوسائل الناجعة والفعالة في تنمية مواهب التلاميذ ومهاراتهم التواصلية، وتوجيه طاقتهم توجيها راشدا، ولها أدوار وفوائد كثيرة تعود على شخصية التلاميذ بالنفع العميم .

ج) تنظيم المسابقات: الرياضية والفنية والثقافية… لأنها فرصة مواتية لاكتشاف المواهب، وتكريس قيم التنافس الشريف، وشغل أوقات التلاميذ بالفائدة، ذلك أن النفس لا تقبل الفراغ، وإذا لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر.

رابعا: دور المؤسسات الاعلامية

الحديث عن دور الإعلام في البناء أو الهدم حديث يطول لقوة الـتأثير التي يملكها، وبسبب السياسات التي توجه مساره، وترسم حركاته، وتتحكم في برامجه ومخططاته.

وإذا كان من قبيل المستحيل التحكم في توجيه سياسات الإعلام العالمي أو حتى إيقاف تأثيرها المدمر لعقول أبنائنا – لطبيعة الانفتاح والتواصل التي يعرفها عالم الاتصالات في عصرنا- فإنه من الواجب أخلاقيا التزام وسائل الإعلام المحلية/الوطنية بالضوابط التربوية والأخلاقية فيما تقدمه للمواطنين من مواد إعلامية، إذ لا يليق بالمنتوج الإعلامي في بلدان المسلمين أن يكون مساهما فعالا في خدش الحياء العام وقيم العفة، والتحريض على الجرائم بكل ألوانها ولو بشكل غير مباشر، لأن الميثاق الأخلاقي الذي يربط هذه المؤسسات بالمواطنين يحتم عليها احترامه ووضعه في الاعتبار أثناء وضعها لبرامجها، ومن أراد برامج تغذي القيم الإباحية وتشبع جوعه فله أن يولي وجهه قبلتها، ولن يجد طالبُها أدنى عناء في إدراكها، فقطوفها دانية قريبة المأخذ، معروضة بالمجان.

ثم إن من واجب الإعلام الرسمي بكل صنوفه أن يصون هوية المواطنين – والتلاميذ مواطنون- من كل اختراق فكري أو أخلاقي، وأن ينسق بفعالية مع كل الجهات التربوية داخل المجتمع من أجل صيانة هذا المواطن وخدمته، من خلال الاجتهاد المتواصل المبدع الذي يجيب عن أسئلة المواطن، ويصحح المفاهيم الخاطئة، ويلبي الاحتياجات المشروعة .

ومن أمثلة هذه الاجتهادات تكثيف البرامج التربوية والتعليمية التي تبني عقل المتعلم ووجدانه ونفسيته بناء سليما، سمته التوازن والاعتدال والمسؤولية والأمانة. ولكن هذه المبادرات الرائدة لا يمكن أن تحقق النجاح إلا بإرادة صادقة مخلصة واعية من قِبَل القائمين على هذا المجال.

خامسا: مؤسسات المجتمع المدني

من جانبها يمكن لمؤسسات المجتمع المدني بمختلف تخصصاتها أن تساهم بقسط وافر في هذا الإصلاح، من خلال احتواء التلاميذ وحسن توجيههم، وتطوير مهاراتهم ومواهبهم بما يمكنهم من المشاركة الإيجابية والفاعلة في حركة الحياة، فالتلميذ المؤطر فكريا وتربويا منذ مراحل الطفولة الأولى يستطيع أن ينجح كثيرا في تجاوز التحديات المحيطة به، لأنه تعلم الكثير من خلال أنشطته المختلفة، ومشاركاته المتنوعة التي ساعدته كثيرا على فهم الحياة وكيفية السير فيها، ومكنته من اكتساب مهارات التواصل الفعال وآدابه، حتى صارت سلوكا أصيلا في معاملته للآخرين. فالعمل الجمعوي عنصر فاعل قوي التأثير في البناء الفكري والتربوي للمجتمع أو في هدمه بحسب منظومة القيم التي يمتح منها.

سادسا – دور الدولة ممثلة في وزارة التربية والتعليم :

إن كل ما ذكرناه سابقا – من بيان لدور كل مؤسسة من المؤسسات المتدخلة في العملية التربوية التعليمية – يؤكد لنا المسؤولية المشتركة للجميع في تحمل تبعات الوضع المتردي للتربية والتعليم، والذي تعد العلاقة المتدهورة بين الأستاذ والتلميذ مجرد مظهر من مظاهره، وثمرة من ثماره. ولكن يبقى الحديث عن دور الدولة (= وزارة التربية والتعليم) في البناء والإصلاح أو الهدم والإفساد حديثا له خصوصيته وقوته، باعتبار الدولة هي الطرف المباشر والمؤثر الأكبر والحاسم لمستقبل التربية والتعليم، والمسؤول الأول الذي يتولى مهندسوه رسم السياسة التعليمية في بلدنا المسلم، ووضع الأسس والمقومات التي تستند عليها المخططات الاستراتيجية والبرامج التعليمية، هم من يحددون الأهداف والغايات، التي يجب على باقي الأطراف المتدخلة العمل على تنفيذها واحترامها من خلال الالتزام بالوثائق والمذكرات الرسمية المنظمة، وعدم الاجتهاد خارجها… وهنا نطرح السؤال الكبير:

– ما مدى ارتباط مناهجنا ومنظوماتنا التربوية بهويتنا الحضارية وإسلامنا الحنيف شكلا ومضمونا؟

– إلى أي حد استطاعت برامجنا التربوية التعليمية تحصين عقول أبنائنا من الغزو بكل أشكاله: الفكري الثقافي أو القيمي الأخلاقي؟ ومن هنا نسأل: أي موقع تحتله التربية الإسلامية أو المناهج الدينية في منظومتنا التربوية، وأي نظرة ينظر بها إلى هذه البرامج في علاقتها بالتنمية الشاملة للمجتمع؟

– ما هي مواصفات المواطن الذي نريد من هذه المنظومة أن تخرجه بعد تدرجه في الأطوار الدراسية المختلفة؟

وإذا تساءلنا عن سر التركيز على أولوية السياسة التعليمية؟ كان الجواب: “لأن عملية التنمية وبالخصوص تنمية الإنسان تصطبغ – حتما- بالمذهب الفكري السائد وبمنظومة القيم، التي تهيمن على الأفكار والنفوس في هذا البلد أو ذاك… فالمجتمع الذي تسود فيه النزعة الاشتراكية أو النزعة العلمانية،… أو النزعة الإسلامية أو غير ذلك، لابد أن يجعل الهدف الأول من سياسته التعليمية هو تربية إنسان يحمل هذه النزعة أو تلك عن إيمان واقتناع”13، إن تنمية الإنسان وتوجيه تصوراته للحياة والوجود والإنسان، من أخطر الأمانات التي تتحمل مسؤوليتها السياسات التعليمية في البلاد الإسلامية، ولأجل ذلك كان من الضروري أن تكون أصيلة تنهل من مصادره الإسلامية الصافية، من القرآن والسنة، ولهذا كان من أكبر الجنايات في حق الأجيال الناشئة أن تستورد لهم مناهج التعليم من بلدان تختلف عقائدها وإيديولوجياتها عن عقيدة الإسلام، فتكون النتيجة المؤسفة: جيل من الشباب منقطع الصلة بدينه وحضارته، مُعظِّم لثقافة الآخر وحضارته التي أرضع حليبها من خلال برامج ومناهج غربية غريبة، جيل من الشباب وصفه الشاعر محمد إقبال بقوله: “إن الشباب المثقف فارغ الأكواب، ظمآن الشفتين، مصقول الوجه، مظلم الروح، سليب العقل، كليل البصر، ضعيف اليقين، كثير اليأس، لم يشاهد في هذا العالم شيئا، هؤلاء الشبان أشباه الرجال ولا رجال. ينكرون نفوسهم ويؤمنون بغيرهم، يبني الأجانب من ترابهم الاسلامي كنائس وأديارا، شباب ناعم رخو رقيق كالحرير، يموت الأمل في مهده في صدورهم، ولا يستطيعون أن يفكروا في الحرية. إن المدرسة قد نزعت عنهم العاطفة الدينية وأصبحوا في خبر كان، أجهل الناس بنفوسهم وأبعدهم من شخصياتهم، شغفتهم الحضارة الغربية فهم يمدون أكفهم الى الأجانب ليتصدقوا عليهم يخبز شعير، ويبيعون أرواحهم في ذلك. إن المعلم لا يعرف قيمتهم، فلم يخبرهم بشرفهم،أو يعرفهم بشخصيتهم، مؤمنون ولكن لا يعرفون سر الموت، ولا يؤمنون بأنه لا غالب الا الله. يشترون من الافرنج اللات ومناة (أصنام المادة). مسلمون ولكن عقولهم تطوف حول الاصنام. إن الافرنج قد قتلوهم من غير حرب وضرب، عقول وقحة، وقلوب قاسية، وعيون لا تعف عن المحارم، وقلوب لا تذوب بالقوارع.. ما عندهم من علم وفن، ودين وسياسة، وعقل وقلب، كلها تطوف حول الماديات، قلوبهم لا تتلقى الخواطر المتجددة، وأفكارهم لا تساوي شيئا، حياتهم جامدة، واقفة متعطلة “14،

إن السبب في ذلك كله – حسب عمر عبيد حسنة- عدم الوعي الحقيقي بخطورة استيراد نظم تعليمية وتربوية من الشرق والغرب، وعدم التفكير بجدية في وضع سياسة تعليمية تتجاوب مع روح الأمة، وتهدف إلى حماية أجيالها من الغزو الفكري والأخلاقي، كما تهدف إلى إعداد الإنسان المؤمن الحريص على دينه الصالح في دنياه . فلا بد من سياسة تعليمية تعتمد نظام الإسلام وتتبناه وتسعى إلى صياغة حياة شبابها وفق كتاب الله المجيد والسنة المشرفة، وما يستنبط منهما، وبذلك يتم التخطيط والتنمية في جميع النواحي15.

إن التربية هي أساس التنمية والرقي والنهوض الحضاري الشامل “ومهما حاولنا وتوهمنا أن النهوض والتغيير والإصلاح يمكن أن يتم خارج مواقع التعليم، فإن التاريخ والواقع والتجربة الذاتية والعالمية، تؤكد أن التربية والتعليم هي السبيل الأوحد… وأي مفهوم للتنمية بعيد عن هذا فهو مفهوم جزئي وعاجز عن تحقيق الهدف”16

إن من الشروط اللازمة للنهوض بتعليمنا – بعد الحسم في هويته ومنطلقاته ومرجعيته الفكرية – التخطيط الواقعي المحكم، الذي يحدد المقاصد بدقة متناهية ويضع لها الوسائل المناسبة والملائمة لتنفيذها، بعيدا عن العشوائية ، لأن المنهج العلمي يستلزم التخطيط الجيد والحكيم الصادر عن خبراء – حقيقيين – في المجال التربوي التعليمي17، ودراسات عملية ميدانية، ترصد الواقع كما هو، وتحدد المشاكل والثغرات، لتتمكن من طرح الحلول المناسبة وسد الحاجيات.

لكن سياسة الترقيع والارتجالية تدفع الدولة إلى سد الخصاص في الموارد البشرية بمن كان: ولو كان الأستاذ مريضا عضويا أو نفسيا أو حتى مجنونا، بل يمكن لأستاذ في تخصص معين أن يفرض عليه فرضا تدريس مادة أخرى – حتى وإن كان لا يحسنها- تحت ذريعة تدريس المواد المتجانسة أو المتآخية، ومن هنا ندرك مقدار الجودة والإحسان الذي ستنتجه مثل هذه الإجراءات الخاطئة ؟؟؟

لقد أصبحت مناهجنا وبرامجنا التعليمية مثقلة وثقيلة ومنفرة، يحضر فيها التعقيد ويغيب فيها التبسيط، فصارت للأسف كالآصار والأغلال التي تقيد الإرادة، فيدرس التلميذ الكم الهائل – من المعارف والمعلومات – خلال مساره الدراسي لكن في المحصلة لا نجد نتائج تسر، بل شظايا متناثرة لا يربط بينها رابط، ولا ينظم شتاتها خيط ناظم، ثم هي في النهاية قاصرة عن إسعاف صاحبها في أن يكون مؤهلا لخوض معركة الحياة بوعي راشد وسير قاصد، لأنها وضعت معزولة عن سياقها الذي يحترم هويتها الحضارية في أبعادها المختلفة التاريخية والاجتماعية … فوقعت في الاسقاط والتعميم. من هنا يطرح السؤال بإلحاح: ماذا نريد؟ وكيف نحقق مانريد (=المنهج)؟ وهل مناهجنا وبرامجنا الحالية صالحة لتحقيق المقصود؟ هل هي قادرة على التحدي والمواكبة في عصر يغلب عليه الصراع والسرعة؟ كل هذه الأسئلة وغيرها تفرض ذاتها في هذا السياق، وتدعونا إلى الاجتهاد والتطوير والتجديد لنبلغ أهدافنا ونحقق آمالنا من خلال التربية والتعليم.

* وإن من مسؤولية الدولة العناية بالأستاذ المربي، وإكرامه وحمايته بكل سبيل في كل مراحل حياته المهنية، وبخاصة عندما يتقدم في السن، حيث يحتاج إلى المبالغة في الإحسان من منطلق العرفان بما قدم وأسدى، ولكن للأسف الشديد كثيرا ما يُتعامل مع هذا الركن الركين بنوع من التجاهل كبير، فهو نكرة، مجرد رقم تأجير يمنح لغيره من النكرات إذا قضى نحبه وغادر18 .

* نحتاج إلى مناهج وبرامج أشد ارتباطا بواقع المتعلم وبيئته واحتياجاته المختلفة، لأن أي تخطيط خارج الزمان والمكان، يغيب عن وعيه طبيعة الفئة المستهدفة، وخصائصها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وظروف واقعها…من شأنه أن يزيد الأمور تعقيدا، ونتائجه ستكون بلا شك أقرب إلى الفشل منه إلى النجاح . ومثل هذا التخطيط -الذي نرجو حصوله من قبل القائمين على وضع البرامج – لابد أن تسبقه دراسات ميدانية بقصد الوقوف على واقع الفئة المقصودة بكل ملابساتها، حتى يكون تخطيطنا على بصيرة، إذ نحتاج إلى قراءة دقيقة لاحتياجات التلاميذ، وما يموج في نفوسهم من خلال ما يروج بينهم من كلام (معجم الألفاظ والمعاني المستعمل بينهم) على مواقع التواصل الاجتماعي، وما يسطرونه على جدران الأقسام والطاولات من عبارات أو رسوم، تلك الصور التعبيرية التي هي بمثابة تنفيس عما يعيشونه من آمال وآلام، ومن هواجس وأحلام. كل ذلك يحتاج إلى قراءة نفسية واجتماعية بقصد إيجاد الحلول وإصلاح الاعوجاج .

* نحتاج إلى ابتكار طرق إبداعية وفعالة في التدريس والتقويم، تشوق المتعلم وتشد اهتمامه، وتجعله يحب المادة العلمية ومدرسها، نحتاج إلى عناية كبيرة بكل ما يدعم هذا الجانب عند الأستاذ، وأن نساعده بكل الوسائل المحققة لهذا المقصود.

* تخصيص جوائز مهمة للإبداع والابتكار بالنسبة للتلميذ أو المدرس أو الإداري… من باب التشجيع والتحفيز، وبعث روح المنافسة والتجديد بين كل المشاركين في الفعل التربوي.

* الحرص على تذكير طرفي العلاقة – التعليمية التعلمية (الأستاذ والتلميذ) – بما لهم وما عليهم من حقوق وواجبات، وحبذا لو تضمنت مقدمات الكتب المدرسية تذكيرا بقيمة العلم وضرورة الإخلاص في طلبه، وأجر التعب والكد في سبيل تحصيله، وما يتعلق بالمعلم والمتعلم من آداب وأخلاق مصحوبة بمواقف مؤثرة من سير السابقين، تكون زادا نفسيا ينعش المعاني التربوية في نفوس المدرسين والمتعلمين، ويوفر الأجواء السليمة للقيام بهذه الأمانة في أحسن الظروف .

على سبيل الختام : إن تحديد مسؤولية كل طرف من الأطراف يجعل الصورة أكثر وضوحا، عندئذ نستطيع أن نقرأ علاقة الأستاذ بالتلميذ قراءة سليمة، مشفوعة بمتعلقاتها، داخل سياقاتها التي تخلقت في رحمها، حيث نفهم الظاهرة فهما يقودنا بيسر وسهولة إلى محاصرة أسبابها، واختيار الحلول الناجعة لحمايتها من التمزق والفساد.

إن العمل في الحقل التربوي من أصعب الأعمال وأشدها على الإطلاق، ذلك أن موضوعه ووسيلته الإنسان، هذا الأخير الذي يحتاج بناؤه إلى كل الوسائل الممكنة، وإلى حشد كل الطاقات الجادة والصادقة المخلصة، حقل لا يقبل الارتجال ولا الغفلة، لأنه استثمار في الإنسان ذلك العالم العجيب، خليفة الله في الأرض، لذلك كان حقيقا بأن تصرف له الجهود والأموال بمقدار موقعه في الوجود.

لقد” أضعنا المال، وخسرنا الأجيال، وقذفنا للمجتمع بنماذج مشوهة، دون أن ننتبه – ونحن ندعي أننا نعمل في حقل التربية – أن المستورَدين لم ينموا ويتطوروا من خلال الذات، وإنما نشأوا في خارجها، فجاؤوا عبثا علينا، وليس تلامذتهم من أبناء المسلمين الذين تولوا شأن التعليم والتربية، بأحسن منهم حالاً”19

لأجل كل ما سبق، ذكرنا – منذ البداية- بأن الحديث عن تدهور علاقة الأستاذ بالتلميذ ما هو إلا الوجه الظاهر من الجبل الذي تمتد جذوره في الأرض عميقة، وإن بلوغ هذه العلاقة ذروتها من البر والإحسان، يسبقه إصلاح العروق والشرايين الممدةِ لهذه العلاقة بأسباب الحياة. فالكيان التعليمي كيان واحد كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، ومثله كمثل “الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”20

من هنا كان تبادل التهم والأحكام الجاهزة بين الأطراف المختلفة في المجتمع سلوكا ظالما غير قويم، صادرا عن عقلية تبريرية تتملص من المسؤولية الذاتية لتلقي باللوم على الآخر. فما أحوجنا اليوم إلى المراجعة الدقيقة لأحوالنا التربوية والأخلاقية، التي هي أساس لكل أنواع المراجعات الأخرى العلمية وغيرها، وما أحوجنا إلى الاعتراف بأخطائنا كل من موقع مسؤوليته، ما أحوجنا إلى توبة جماعية تطهرنا من الأدران، لنستأنف طريقنا من جديد تحت أضواء الوحي وهداياته، بذلك فقط تنصلح الأحوال وتلتئم الجروح وتشفى، ويحصل التغيير الذي نرجوه من الله تعالى بكل صوره وأشكاله، فنكون أحق الناس بوسام الشهادة على الناس، لأننا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، وتناصحنا لأجل أن يعم الخير ويسود بين العالمين. وقد صدق الله تعالى إذ يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) [الرعد/11] .

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

* * *

الهوامش

1 – مقالات في التفكير المقصدي – رؤية في إطار معرفة الوحي- : ص54
2 – نفس المصدر والصفحة
3 – نفس المصدر والصفحة
4 – تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن السعدي : ج 1 ص 614
5 – مقالات في التفكير المقصدي – رؤية في إطار معرفة الوحي- : ص54 – 55.
6 – مقالات في التفكير المقصدي – رؤية في إطار معرفة الوحي- : ص55.
7 – صحيح البخاري : بَاب الْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا ، حديث رقم 4801.
8 – التربية والتعليم في المدرسة المحمدية : ص24 .
9 – صحيح مسلم : كتاب الذكر والدعاء ، باب التعوذ مما عمل وما لم يعمل.
10 – هذه الأبيات من قصيدة مختلف في نسبتها فمنهم من نسبها لأبي الأسود الدؤلي، ومنهم من نسبها لغيره، ومنهم من أوردها غير منسوبة كالماوردي.
11– مقال منشور بموقع الألوكة بعنوان: “من أجل علاقة مثلى بين المدرس والتلميذ ” لطيفة أسير .
12 – عبر غالبية التلاميذ – خلال استطلاع آرائهم حول علاقتهم التواصلية بالأساتذة – عن حاجتهم الماسة إلى من يتفهم احتياجاتهم خصوصا النفسية منها، الحاجة إلى من ينصت إليهم ، ويوجههم بعيدا عن التسفيه والتنقيص والسب والتوبيخ بأقبح النعوت التي تعودوا على سماعها من الكبار في الغالب ؟‼ خصوصا وأنهم يفقدون ذلك في وسطهم الأسري .
13 – “السياسة التعليمية أولا” مقال للأستاذ محمد عزيز السجاعي : ص43 ، ضمن كتاب تربيتنا العدد (3) بعنوان [التربية الإسلامية أساس التنمية الشاملة] ، من إصدارات الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية – دجنبر 2003- .
14 – نحو التربية الإسلامية الحرة في الحكومات والبلاد الإسلامية لأبي الحسن الندوي : ص44
15 – “السياسة التعليمية أولا”: ص45
16 – مقالات في التفكير المقصدي – رؤية في إطار معرفة الوحي- : ص55-56 .
17 – أي دور هنا للمؤسسات الجامعية والمراكز البحثية في توجيه البحث العلمي والتربوي وتطويره تنظيرا وتطبيقا؟
18 – من العبث الحديث عن الجودة والاتقان في غياب الشروط الملائمة التي تراعي كرامة المعلم الإنسان ، الذي يكون نسيا منسيا، وأحيل هنا على نموذج لمعاناة رجل التعليم في رسالة مؤثرة له في حفل تقاعده . انظر الرابط : [http://www.dafatiri.com/vb/showthread.php?t=584660].
19 – مقالات في التفكير المقصدي – رؤية في إطار معرفة الوحي- : ص57.
20 – صحيح مسلم : بَاب تَرَاحُمِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَعَاضُدِهِمْ ،حديث رقم : 4685

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons