تربيتنا الحديثة

مقاصد التربية في الإسلام

image

إعداد الدكتور علال بلحسني

يعتبر الحديث عن التربية حديثا عن ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها لأن بها تحافظ على هويتها وخصوصيتها من الاستلاب والذوبان في حضارة الآخر، وبها تحافظ على مقومات حياتها وبها تسير نحو الرقي والتنمية الشاملة. فالتربية باختصار هي الأساس الذي يبنى عليه غيره كما قال الإمام محمد عبده: ” أمر التربية هو كل شيء وعليه يبنى كل شيء1. فإذا كانت التربية بهذه الأهمية، فإن أهم ما فيها مقاصدها وأهدافها التي إن أدركها المربون وأخذوها مأخذ الجد والأهمية، أثمرت ثمارا طيبة بمشيئة الله عز وجل، وإذا جهلوها أو تجاهلوها حدثت الكارثة التي نرى صورا منها في الواقع المعيش.

كما تتجلى أهميتها أيضا في كون المربي الذي يمارس التربية انطلاقا من التصور الإسلامي يجب أن يكون واعيا بمقاصده التربوية، ليحسن تنزيلها وتطبيقها في الواقع، وليتحقق بها سلوكا وليغرسها في المتربي على هدى وبينة. كما أن وضوح الأهداف يجعل الإنسان يسخر طاقاته ويوجه قواه ليصل إلى ما يرمي إليه، أما من ترك أموره للصدفة، فإنه سيتخبط يمنة ويسرة على غير هدى”. قال تعالى: ” أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم “2.

وفي هذا السياق يقول دونالد شسير: “أن تربي يعني أن تقود، أي توجه نحو مرمى معين، لكن أن تقود بدون اتجاه شيئان لا يمكن أن يلتقيا “3. وكما هو معروف فإنك إذا لم تكن تعرف الهدف الذي تريد الوصول إليه فإنك حتما ستصل إلى هدف آخر.

فما معنى التربية؟ وما معنى المقاصد؟ وما هي مقاصد التربية وأقسامها؟ وأين تكمن أهمية معرفة مراتبها ومميزاتها؟

أولا: معنى التربية في اللغة والاصطلاح:

التربية بمعناها اللغوي تعني: الزيادة والنماء، ومنها قوله تعالى: “يمحق الله الربا ويربي الصدقات “4، قال ابن كثير: قرئ بضم الياء والتخفيف من ربا الشيء يربو وأرباه، أي كثره ونماه ينميه، وقرئ يربي بالضم والتشديد، من التربية “5.

وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب- ولا يقبل الله إلا طيبا- فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى يكون مثل الجبل “6. وربا الشيء يربو إذا زاد.

وجاء في المعجم الوسيط: “رب الولد ربا، وليه وتعهده بما يغذيه وينميه ويؤدبه، فالفاعل راب والمفعول مربوب وربيب، ورب القوم: رأسهم وساسهم. وفي حديث ابن عباس مع الزبير قال: لأن يربني بنو عمي أحب إلي من أن يربني غيرهم “7.

وجاء في لسان العرب: ربى الولد يعني: أحسن القيام عليه ووليه حتى يفارق الطفولة كان ابنه أو لم يكن “8.

أما من الناحية الاصطلاحية فإننا نجد العلماء والمصلحين قد اهتموا بالمسألة التربوية منذ القديم، وحاولوا إعطاءها معنى واضحا يبرز مدلولها والهدف منها، حيث اختلفوا في ذلك اختلافا كبيرا مرده في كثير من الأحيان إلى الاختلاف العقدي أو الاجتماعي أو الثقافي أو الفلسفي.

فهي عند أرسطو ( 384- 322 ق.م ): إعداد العقل لكسب العلم كما تعد الأرض للنبات والزرع.

أما أفلاطون (346- 384 ق. م): فهي عنده تعني: إعطاء الجسم والروح كل ما يمكن من الجمال والكمال.

وعند أبي حامد الغزالي (450- 505 هـ) فهي: إرشاد المريد في سلوك طريق التصوف بأسلوب مجاهدة النفس وتخليصها من الشوائب الدنيوية9.

وفي رأيي أن التربية هي تنمية وتطوير القدرات الكامنة في الإنسان، ومساعدته على تفتح ملكاته واكتشاف مواهبه، مع إكسابه مجموعة من الخبرات الموجودة في البيئة المحيطة به، قصد إيصاله إلى كماله الإنساني وذلك من أجل تحقيق سعادته في الدنيا والآخرة، فهي إذن عملية قاصدة ومستمرة.

والتربية عند المربين المسلمين لها معان ومصطلحات عدة نذكر منها:

مصطلح الإرشاد ومنه “رسالة المسترشدين” للحارث المحاسبي.

مصطلح التهذيب ومنه كتاب “تهذيب الأخلاق” لابن مسكويه.

مصطلح السياسة ومنه كتاب “سياسة الصبيان” لابن سينا.

مصطلح التأديب، حيث عالجوا فيه موضوع التربية تحت اسم تأديب الصبيان”10.

مفهوم المقاصد في اللغة والاصطلاح:

كلمة “قصد” في اللغة إذا أطلقت تتردد بين المعاني التالية:

الاعتدال والاستقامة والتوسط.

الامتلاء: نقول ناقة قصيد أي ممتلئة لحما.

الكسر: يقال قصد الخشب أي كسره“11.

الإرادة والتوجه والأم والاستهداف: وهذا هو المعنى الأقرب والمناسب للمقاصد في معناها الاصطلاحي.

مفهوم مقاصد التربية في الإسلام:

مما لا شك فيه أن العملية التربوية، عملية قاصدة تستهدف الوصول إلى أغراض ومقاصد معينة، وعليه فمقاصد التربية أو أهداف التربية كما يقول الدكتور ماجد عرسان الكيلاني هي: “تلك التغيرات التي يراد حصولها في سلوك الإنسان الفرد وفي ممارسات واتجاهات المجتمع المحلي أو المجتمعات الإنسانية”12.

كما يمكننا أن نعرفها بأنها “تلك الأهداف التي تريد التربية الإسلامية الوصول بالإنسان المسلم إليها تحقيقا لكماله الإنساني وسعادته الدنيوية والأخروية.

أقسام مقاصد التربية في الإسلام:

لقد حاول علماء التربية والمهتمون بالحقل التربوي الإسلامي، تقسيم مقاصد التربية كل واحد حسب اجتهاده، فمنهم من قسمها إلى قسمين، ومنهم من قسمها إلى ثلاثة أقسام. حيث نجد على سبيل المثال الدكتور ماجد عرسان الكيلاني في كتابه “أهداف التربية الإسلامية”، يقسمها إلى قسمين إذ يقول: “تنقسم الأهداف التربوية إلى قسمين رئيسيين: “الأهداف الأغراض” أي التي تشتمل على الغراض والمقاصد النهائية التي يراد من التربية إنجازها وتحقيقها على المستويات الفردية والاجتماعية والعالمية. و “الأهداف الوسائل” أي التي تشتمل على الوسائل والأدوات الفعالة لتحقيق ” الأهداف الأغراض”13.

أما الدكتور عبد الحليم محمود فقد اختار التقسيم الثلاثي حيث جاء في كتابه تربية الناشئ المسلم قوله: “وهذه الأهداف في مقدمتها أقسام ثلاثة، كما جرى على هذا التقسيم جمهور علماء المسلمين في عصور عديدة، وهذه الأقسام هي:

أهداف ضرورية.

أهداف حاجية.

أهداف تحسينية.

وقد مثل لكل قسم بأمثلة توضيحية، حيث مثل للأهداف الضرورية بترسيخ العقيدة الصحيحة في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وبتعميق العبادة الصحيحة لله سبحانه وتعالى في نفوس الناس وفق ما شرع، وحفظ الدين والنفس والمال والعقل والنسل، وبحفظ حقوق الناس في التعامل بعضهم مع بعض.

أما الأهداف الحاجية فمثل لها بالحاجيات في العبادة مثل: الرخص المخففة والمانعة من أن يقع الناس في الحرج أو المشقة، كالإفطار في رمضان بسبب السفر أو المرض، وقصر الصلاة ونحو ذلك. وبالحاجيات في العادات كإباحة الصيد، وإباحة التمتع بالطيبات مما أحل الله في المطعم والمشرب والملبس والمسكن والمركب بشرط البعد عن الإسراف والمخيلة.

كما أعطى أمثلة بالنسبة للأهداف التحسينية، مثل التحسينات في العبادات كالطهارات وستر العورة وأخذ الزينة عموما. وبتحسينات في العادات مثل الأخذ بآداب الطعام والشراب التي دعا إليها الإسلام وندب إليها. وبتحسينات في المعاملات مثل: المنع من بيع فضل الماء وفضل العشب، ومنع المرأة من تزويج نفسها…”14.

وأرى أنه من الممكن أن نستعير تقسيم الإمام الشاطبي “لمقاصد الشريعة”15، ونمثل به لمقاصد التربية، فنقول: إن مقاصد التربية في الإسلام تنقسم إلى قسمين اثنين: مقاصد أصلية ومقاصد تابعة. ويمكن أن نمثل للقسم الأول بقوله تعالى: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون “16، ونمثل للقسم الثاني بقوله تعالى: ” كونوا أنصارا لله “17. وتعليل ذلك أنه إذا لم يتحقق مقصد العبادة الذي هو المقصد الأصلي والأساسي لا يمكن أن يتحقق مقصد النصرة الذي هو المقصد التابع له والمترتب عليه.

أهمية معرفة مراتب مقاصد التربية في الإسلام:

تتجلى أهمية معرفة مراتب مقاصد التربية في الإسلام في إدراك أولوياتها وفي كيفية تنزيلها وتطبيقها، فعندما ندرك ونعلم ما هو أصلي منها مما هو تبعي يسهل علينا تنزيلها على أرض الواقع بحيث تكون ممارستنا التربوية ممارسة منطقية وواقعية، فنبدأ بما هو أصلي ثم نثنيه بما هو تابع له.

ونحن إذا تتبعنا بداية الدعوة الإسلامية نجد في المرحلة المكية أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان على وعي تام بهذه النقطة، حيث قام خلال ثلاثة عشر سنة بوحي من ربه عز وجل بغرس العقيدة في نفوس الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وهذا ما عبرت عنه أمنا عائشة رضي الله عنها بقولها: “إنما نزل أول ما نزل منه القرآن الكريم سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا تاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا، لقالوا لا ندع الزنا أبدا”18. وعندما تحقق هذا المقصد انتقل اهتمام التربية النبوية إلى المقصد التابع حيث اهتمت بالأمور التشريعية والتنظيميةالخ، وهو ما عرفت به المرحلة المدنية، ولهذا يقال في بيان مميزات كل مرحلة: أن المرحلة المكية كانت مرحلة العقيدة، والمرحلة المدنية كانت مرحلة الشريعة.

مميزات مقاصد التربية في الإسلام:

تتميز المقاصد التربوية النابعة من الإسلام عن غيرها من المقاصد التربوية التي هي من وضع البشر بكونها:

ربانية: بمعنى أنها تستمد أصولها من القرآن والسنة، ولا شك أن ما هو رباني يكون أفضل مما هو بشري.

كاملة: تستمد كمالها من الكمال الإلهي، فهي تبعدنا عن النقائص وتوجهنا نحو الفضائل…

شاملة: تكتنف الحياة في جميع جوانبها، والنفس البشرية في كل نواحيها.

إنسانية: فهي عامة لكل الناس وليست خاصة بمصالح أمة معينة أو قوم مخصوصين.

خالدة: فهي صالحة للبقاء والخلود على مر الزمن تستمد خلودها من أن أصولها من عند الله عز وجل.

موافقة للفطرة الإنسانية: ذلك أن فطرة الإنسان لا تتغير على مر الزمن من حيث هو فرد، ومن حيث هو عضو في جماعة، ومن حيث هو بشر من دم ولحم، له نوازعه وشهواته ودوافعه الغريزية، ومن حيث هو إنسان له عقل وإرادة وقدرة على فعل الخير والشر.

خصبة: تتولد عنها عنه ثمار طيبة، في ليس عقيما لأنها لا تنافي ولا تجافي الفطرة السليمة ولا تصد طاقات الإنسان بل تدفعها إلى إخراج أفضل ما عندها، وتستوفي منها كل خير تستطيع تقديمه للفرد والجماعة والإنسانية…

واضحة: يفهمها ويعقلها جميع البشر، لأنها مناسبة للفطرة النفسية والقلبية، تعتمد على الإحساس والوعي، يقبلها المربي والمتربي جميعا.

متوازنة ومتوافقة: فلا تجد فيها تعارضا بين العقل والقلب، ولا النفس والجسد، ولا الدنيا والآخرة، فهي توفق بين هذه الجوانب كلها دون تعارض أو مشاكسة.

واقعية: قابلة للتطبيق في الواقع ولها تأثير في سلوك جميع الناس بمختلف ثقافاتهم وأعمارهم وجنسهم.

مرنة: تستطيع مسايرة الظروف والأحوال على اختلافها، كما أنها تساير الإنسان في مختلف العصور والأقطار مهما تنوعت سبل عيشه وأساليب حياته.

وخلاصة القول فإن التربية في الإسلام عموما وإدراك مقاصدها خصوصا شرط أساسي وضروري في كل تنمية وتقدم نصبو إلى تحقيقه، وذلك لارتباطها بالإنسان الذي هو المنطلق والمدخل الرئيس والحقيقي لها إذ لا تنمية بدون تربية ولا تربية بدون إدراك لأهدافها ومقاصدها.

الهوامش

  1. القرآن الكريم برواية الإمام ورش

  2. الأهداف التربوية ومصادر اشتقاقها، وطرق صياغتها في البلد المسلم، الدكتور محمد صالح بن علي جان، وزارة التعليم العالي، جامعة أم القرى، المملكة العربية السعودية، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، مركز بحوث التعليم الإسلاميمكة المكرمة، طبعة 1418هـ.

  3. تفسير ابن كثير، مؤسسة الكتب الثقافية ودار النهضة العربية، الطبعة الخامسة 1417هـ– 1996م.

  4. صحيح البخاريالإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، مراجعة و ضبط و فهرسة الشيخ محمد علي قطب و الشيخ هشام هشام البخاري المكتبة العصرية صيدا بيروت الطبعة الثانية 1418 هـ– 1997 م.

  5. المعجم الوسيط، إعداد الدكتور إبراهيم أنيس و جماعة – دار الحديث للطبع و النشر و التوزيع بيروت لبنان الطبعة الثانية، بدون سنة الطبع.

  6. لسان العرب، ابن منظور تحقيق عبد الله علي الكبير و محمد أحمد حسب الله و هاشم الشاذليدار المعرفة بدون طبعة

  7. كتاب نحو تحديد مفهوم التربية في الإسلام، عبد الحكيم حجوجي، مجلة النداء التربوي، العدد 1 رجب 1418- نونبر 1997.

  8. جوانب التربية الإسلامية الأساسية، الدكتور مقداد يالجن جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الرياض الطبعة الأولى صفر 1406 هـ – 1986 م

  9. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي الفيومي، المكتبة العلمية، بيروتلبنان، بدون طبعة.

  10. معجم مقاييس اللغة لابن فارسدار الكتب العلمية بيروت لبنان الطبعة الأولى 1420 هـ– 1999م

  11. أهداف التربية الإسلامية، الدكتور ماجد عرسان الكيلاني – مؤسسة الريان للطباعة و النشر و التوزيع بيروت لبنان طبعة 1419 هـ 1998 م

  12. تربية الناشئ المسلم، الدكتور عبد الحليم محموددار الوفاء للطباعة و النشر و التوزيع المنصورةالطبعة الثالثة 1415هـ– 1994 م

  13. الموافقات في أصول الشريعة – أبي اسحاق الشاطبي، شرحه و خرج أحاديثه فضيلة الشيخ عبد الله دراز ووضع تراجمه الأستاذ محمد عبد الله دراز خرج آياته و فهرس موضوعاته عبد السلام عبد الشافعي محمد – دار الكتب العلمية بيروت لبنان بدون طبعة.

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons