حول العلاقة بين التربية الإسلامية والفلسفة

image

رئيس التحرير

د. علال بلحسني

لقد عرفت مادة التربية الإسلامية تطورات متسارعة منذ الخطاب الملكي بمدينة العيون والداعي إلى مراجعة مناهج التعليم الديني والذي تكلفت بالقيام به كل من وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، حيث كونتا لجنة مركزية كلفت بالاشتغال على الموضوع بسرية تامة، الأمر الذي أثار جدلا واسعا بدءا من التسمية حيث التربية الدينيةكانت قاب قوسين أو أدنى من أن تصبح أمرا واقعا لولا تحرك الفاعلين التربويين الذين ينتمون للمادة وعلى رأسهم الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية، التي قامت بتوجيه ثلاث رسائل إلى كل من: رئيس الحكومة، ووزير التربة الوطنية والتكوين المهني، ورئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وقد تفاعلت مع هذا التحرك العديد من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة والإلكترونية الوطنية والدولية، إضافة إلى دخول العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي على الخط، الأمر الذي عجل بنقل الحدث من دوائره الضيقة إلى جعله قضية رأي عام، وهو ما عجل بالتراجع عن مقترح التربية الدينيةكبديل لاسم التربية الإسلامية، مع إدخال تعديلات جوهرية همت دروس المادة التي انتقلت من العمل بنظام الوحدات إلى العمل بنظام المداخل، فعرف المنهاج الجديد لمادة التربية الإسلامية حضورا بارزا للقرآن الكريم بدءا بالتعليم الابتدائي وانتهاء بالتعليم الثانوي التأهيلي الذي لم يكن القرآن الكريم حاضرا فيه إلا في نصوص الانطلاق المؤطرة لدروس الوحدات، زيادة على حذف دروس بعينها كدرس الإرث على سبيل المثال، وإضافة دروس جديدة منها درس الإيمان والفلسفةللسنة الأولى ثانوي تأهيلي،والذي اختلفت طريقة تناوله من لجنة تأليف إلى أخرى، مما أحيا الجدل حول المادة من جديد، ولكن هذه المرة عن طريق تدخل فاعلين تربويين آخرين وهم أعضاء الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة الذين انتقدوا في بيان لهم الطريقة التي تناولت بها إحدى لجان تأليف الكتاب المدرسي درس الإيمان والفلسفةحيث وظفت لجنة التأليف نصا لابن تيمية يفهم منه أنه ينطوي على موقف سلبي من الفلسفة، الأمر الذي أثار حفيظة الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة معتبرين أن ما جاء في هذا الدرس يؤدي بالتلميذ المغربي الذي يدرس بهذا الكتاب إلى نوع من التناقض والانفصام بين ما يتعلمه في مادة الفلسفة من كونها حبا للحكمة وسعيا نحوها، وذات أهمية في تكوين متعلمين ذوي شخصية مستقلة ناقدة متسائلة عن العلل والأسبابإلخ، وبين ما تضمنه درس الإيمان والفلسفة من حكم سلبي على الفلسفة والفلاسفة، وهو أمر مناقض لمقصد التكامل والانسجام بين المواد والعلوم المراد تدريسها للتلميذ المغربي.

هذا الأمر دفعنا داخل مجلة تربيتناالتي تصدرها الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية للإدلاء بدلونا في هذه القضية، والتي نعتقد أنها انطوت في جانب كبير منها على سوء فهم وتفاهم بين طرفي القضية. ولعل مناقشتنا لها ضمن افتتاحية العدد التاسع من مجلة تربيتنايزيل ولو قدرا قليلا من سوء الفهم هذا، ومنطلقنا في ذلك ما تميز به فلاسفة وفقهاء الغرب الإسلامي من انفتاح على الآخر وبحث عن المشترك والتوافق بدل البحث عن جوانب الاختلاف، ولعل أبرز نموذج يمكن الاستشهاد به في هذا المقام هو فيلسوف قرطبة ومراكش، فقيه الفلاسفة وفيلسوف الفقهاء أبو الوليد محمد بن رشد (520- 595 هـ)، والذي ألف كتابا في غاية الأهمية رام به رفع اللبس الحاصل عند البعض من كون الفلسفة معارضة للدين وأن الدين مناقض للفلسفة وهو كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصالوالذي اعتبر فيه أن الشريعة تدعو إلى التأمل والتدبر وتوجب النظر الفلسفي واستعمال البرهان المنطقي لمعرفة الله والبرهنة على وجوده من خلال موجوداته. وساق لذلك آيات من القرآن الكريم تحث على استعمال العقل والنظر في الموجودات. كما يرى ابن رشد أن الشريعة، وإن كان الوحي مصدرها، فهي لا تخالف العقل ولا تناقضه،. ومن ثم فالشرائع العقلية الوضعية المجردة من الوحي تكون أنقص من الشرائع السماوية التي استنبطت من العقل والوحي. وحسب ابن رشد فإن مقصود الشارع هو تعليم العلم الحق والعمل الحق، أما العلم الحق فهو الذي ينحصر في معرفة الله تعالى ومعرفة الموجودات على حقيقتها، ومعرفة السعادة والشقاء الأخروي. والعمل الحق هو عمل ما يجلب السعادة ويدفع الشقاء، فالحق حسب ابن رشد لا يضاد الحق.

لقد كان ابن رشد بحق مثالا للفيلسوف الذي بذل جهده للدفاع عن العقل والفلسفة والتقريب بينهما وبين الشريعة، وبرهن على أن الوحي والعقل لا يتعارضان، فالحكمة كما يقول: هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة، واعتبر أنهما مصطحبتان بالطبع متحابتان بالجوهر والغريزة، وهو ما ندعو أن ينسج على منواله كل من مدرسي مادة التربية الإسلامية ومدرسي الفلسفة ترسيخا لقيم الحوار والانفتاح والتعايش على قاعدة المشترك وما أكثره.

 

 

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons